السيد محمد تقي المدرسي

18

من هدى القرآن

على أن هذه العقوبة الشديدة سوف تختص واقعيا بالذين يستهترون الحدود الشرعية ، وبآداب العرف العام ، دعنا نقرأ النصوص التي تبين أحكام الشهادة على الزنا : عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : « لَا يُرْجَمُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ عَلَى الْجِمَاعِ وَالْإِيلَاجِ وَالْإِدْخَالِ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ » « 1 » . وعن حكمة اشتراط الشهود الأربعة ، يروي أبو حنيفة إمام المذهب الحنفي عن الإمام الصادق عليه السلام ، فيقول قلت له : ( أَيُّهُمَا أَشَدُّ الزِّنَا أَمِ الْقَتْلُ ؟ . فَقَالَ عليه السلام : الْقَتْلُ . قَالَ ( أبو حنيفة ) قُلْتُ : فَمَا بَالُ الْقَتْلِ جَازَ فِيهِ شَاهِدَانِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي الزِّنَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ ؟ إِلَى أَنْ قَالَ فَقَالَ عليه السلام : الزِّنَا فِيهِ حَدَّانِ وَلَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَا كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَى وَاحِدٍ لِأَنَّ الرَّجُلَ وَالمَرْأَةَ جَمِيعاً عَلَيْهِمَا الحَدُّ وَالْقَتْلُ إِنَّمَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاتِلِ وَيُدْفَعُ عَنِ الْمَقْتُولِ » « 2 » . وإنما يقصد الإسلام من هذا التشدد في مسألة الشهادة على الزنا ، المحافظة على الحياة الأسرية في المجتمع من التفتت ، والانهيار . وكما أن الزنا من أشد عوامل انهيار الأسرة فإن الاتهام به يؤدي إلى ذات النتيجة تقريبا ، إذ إنه من الجرائم التي يمكن الاتهام بها سريعا ، وهي تدغدغ غرائز الناس خصوصا المعقدين جنسيا ، وليست مثل جريمة القتل وغيرها ، لذلك شدد الإسلام على العقوبة من جهة ، وعلى الشهادة من جهة أخرى ، وكلا الأمرين يهدفان إلى شيء واحد هو صيانة الأسرة ، والمحافظة على العفة والشرف في الحياة الاجتماعية . وقد اعتبر القرآن من يقذفون المحصنات بالزنا ، دون الإتيان بأربعة شهود بأنهم فاسقون ، لأنهم بعملهم هذا يوجهون أكبر ضربة لشرف المجتمع ، الذي جاءت الأديان السماوية لإصلاحه ، وإحكام بنائه . [ 5 ] إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ليس جديدا على من يقرأ القرآن ، أن يلحظ لحوق كلمة الإصلاح بالتوبة ، فكثيرا ما تكرر ذلك في مواضع مختلفة من القرآن الكريم ذاته ، ذلك لأن شرط قبول التوبة أن يصلح الإنسان ما أفسده بذنوبه ، والله سبحانه يؤكد لفئة التائبين ، بأن مغفرته ورحمته سوف تشملهم إن هم رجعوا إلى طريق الحق بعد الانحراف ، وتداركوا ما فاتهم بالجهد المخلص والعمل البناء ، وإصلاح ما أفسدوه بذنوبهم ، فإذا اتهموا المحصنات بالفاحشة وسقط شرفهن بذلك ، وجب عليهم الإعلان عن كذبهم ، والاستعداد لإجراء الحد عليهم ، لإعادة الاعتبار إليهن ، فقد قال

--> ( 1 ) الكافي : ج 7 ص 184 . ( 2 ) الكافي : ج 7 ص 404 .